الصفحة الرئيسية

 
  • الصفحة الجديدة
  • الصفحة القديمة
  •  

    الأقسام الرئيسية

     
  • موضوعات متنوعة
  • الإيمان
  • الزهد والرقائق
  • الآداب والأخلاق
  • العبادات
  • المعاملات
  • الأسرة المسلمة
  • قضايا معاصرة
  • التاريخ والسير
  • مواسم الخير
  • مخالفات شرعية
  • كلمات قصيرة
  • مشاركات الزوار
  •  

    محرك البحث

     




    بحث متقدم

     

    تواصل

     
  • سجل الزوار
  • راسلنا


  • تهذيب المكتوب من الخطب والمحاضرات » المواضيع » قضايا معاصرة


    غلاء الأسعار و ثقافة الاستهلاك

      
    -
    الحمد لله على إحسانه و الشكر له على توفيقه و امتنانه ، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له تعظيماً لشأنه , و أشهد أن سيدنا محمد عبداً عبده ورسوله الداعي إلى جنته و رضوانه ، صلى الله و سلم وبارك عليه و على آله و أعوانه ، و سلم تسليماً أما بعد ..
    فيا عباد الله اتقوا الله تعالى و توبوا إليه ..
    وقفوا على همام الزمان رجالاً يثبتون تطلعاً و نضالاً و حيُ السماء يجيش في أعماقهم ونداؤه من فوقه يتعالى
    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال } خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ذات يومٍ فإذا هو بأبي بكر و عمر رضي الله عنهما فقال: ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟ فقالا : الجوع يا رسول الله قال و أنا والذي نفسي بيده أخرجني الذي أخرجكما ، قوما ، فقاما معه فآتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت مرحباً و أهلاً فقال لها  رسول الله صلى الله عليه وسلم أين فلان ؟:قالت :ذهب يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم و صاحبيه ثم قال : الحمد لله ما أحدٌ اليوم أكرمَ أضيافاً مني فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بُسرٌ و تمرٌ و رطب فقال : كلوا و أخذ المدية فقال له رسول الله  رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك و الحلوب فذبح لهم فأكلوا و شربوا فلما أن شبعوا ورووا قال لهم  رسول الله صلى الله عليه وسلم: و الذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم  رواه مسلم
    هذا رسول الله عليه الصلاة و السلام الذي مات و لم يشبع من خبز الشعير و البر وكان يمرُّ عليه الشهر و الشهران و الثلاثة و ما أوقد في بيته نار و كان طعامه الأسودان فقط التمر و الماء هو و أصحابه و لما أن فتح الله عليهم الأرض فرأوا خيرات الأرض هل تغيرّوا ؟ ! بل هذّبتهم هذه الشدة و ذلك الجوع في أخلاقهم فإذا هم قلوبٌ تتصل بالله ، تتذكره و تخشاه ، و تؤثره على كلّ متغيرات الحياة ، قومٌ كرامُ السجايا أينما ذكروا يبقى المكان على آثارهم عطرا ..أخلاقُهم عما يشين نقيةٌ .. نفوسهم عما يعيب مكفكفة ..ما استعبدتهم شهوةٌ تدعوا إلى الصفراء و البيضاء لا و الزخرفة .. ليسوا بأسرى الأرغفة ..ليسو بأسرى الأرصدة ..ليسوا بأسرى الأطعمة ..قومٌ إذا جدّ الوغى كانوا ليوث الملحمة ..و يعود التاريخ لهذه الجزيرة التي كانت حتى وقتٍ قريب مذأبة منهية يجوع فيها الناس و يهربون منها لطلب الرزق تاركين كل من وراءهم فتبدل الحال و أخرج الله كنوز الأرض فإذا هي نعمٌ لا تحصى و لا تعد بفضل الله وحده  و ما بكم من نعمةٍ فمن الله  يجد الناس ما يشترون و يحصلون على ما يشتهون لكن بعضهم عن معرفة قدر هذه النعم غافلون ..ثم بدأت البركات تقل و النعم تتناقض و شكر النعم يضمحل ..و البعض لا يقدر على جلبها لكن كثيراً منا لم ينتبه لذلك إلا أخيراً حينما اختلفت الأسعار و كثرة الطلبات فأصبح ما يُشترَى بالأمس لا يكفي اليوم و هكذا تبدلت الأسعار..
    أيها المسلمون.. منذ أيام بل منذ أشهر اجتاح العالم الإسلامي ـ وليست بلادُنا فقط ـ وحش جديد كشر عن أنيابه لافتراس الفقراء وألحق بهم الطبقةَ الوسطى من المجتمع، تلكم المصيبة ـ عباد الله ـ هي غلاءُ الأسعار.
    ارتفعت أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية، ووصل جنونُ الأسعار إلى حليبِ الأطفال وأدويةِ المرضى، و الأرز و السكر وكل شيء، أما أسعار المساكن التي يأوي إليها الناس فقد وصلت إلى أرقام فلكية يصعبُ تصديقُها ويعجزُ القادر عن مجاراتِها، بل الجمعيات الخيرية التي تساعد الفقراء والمحتاجين تضررت من ظاهرة الغلاء المبالغ فيها حيث أثَّر ارتفاعُ أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية في ميزانيتها المتواضعة التي كانت مهددةً بعجزها أمام تغطية تكاليف معيشة الفقراء والمحتاجين الذين تكفلهم وترعاهم.
    لقد كان الفقراء في الماضي هم الطبقة الأكثر تذمرًا من غلاء الأسعار لأنهم لم يمتلكوا ما يمكنُ من خلاله مسايرةَ صعوبات الحياة، أما اليوم وفي ظل هذا الغلاء الفاحش والارتفاع اليومي للأسعار وتحوِّل جميعِ السلع بما فيها السلعِ الترفيهية لسلعٍ مدفوعةِ الثمن وخصخصة كافة الخدمات والتنافس بين الشركات العملاقة لاحتكار السلع بكآفة أنواعها وتحولها لصراعٍ اجتماعي اقتصادي ضحيتها المواطن العادي المستهلك فإننا ـ عباد الله ـ بحاجة إلى بعض التنبيهات نلقي من خلالها الضوء على هذه المصيبة التي نسأل الله سبحانه أن يكشفها عن أمة محمد عاجلا غير آجل و التي لا بد من طرحها لأنها مما يهمُّ الناسَ في حياتهم ..
    فأول ما يجب أن نعلمَه ـ عبادَ الله ـ أن ما أصابنا إنما هو بسبب ذنوبنا، وإلا فالرحمن جل جلاله أرحم بعباده من الوالدة بولدها، }ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{ [الروم: 41]. إنها سنة الله تعالى الماضية في الأمم الغافلة المعرضة عن الله سبحانه المقصية لشرعه المنتهكة لحدوده، }فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً{ [فاطر: 43]. قال بعض السلف: جزاء المعصية الوهن في العبادة والضيق في المعيشة والتعسر في اللذة، قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينقصها عليه.
    إذا كنتَ فِي نعمةٍ فارعها فإن المعاصي تزيلُ النِعمْ
    وحطها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم
    ألم يتهاون كثيرٌ منا ف المداخيل المحرّمة و يتساهلُ بها ، و لعلَّ أعظمَها الربا التي لا زالت بعض قلاعه تحاربُ الله في مبانيها الشاهقة و إعلاناتها الماحقة ..كيف سقط الناس في شراك الأسهم المحرَّمة و تنافسوا عليها حتى خسروا الكثير و القليل ..أصبح النصبُ و الاحتيال سمةً بعضِ الشركات المُساهمة .. و صارَ الطمع سُعاراً يركظ وراءَه الجميع بلا تورعٍ عن الحرام ..
    انتشرت الديون و المداينات بصورٍ شتى حتى طالت غالب الناس و بالمقابل ضُيِّقٌ في الإنفاق و البذل في سبيل الله فمُنع المساكين في خارج هذه البلاد و ضيق على الجميعات التي توصِّل لهم التبرعات ..فحين كان هذا البلد ينطلق خيرهُ لكل بلاد المسلمين الجوعى قلّ ذلك بشكلٍ ملحوظ و تسرّب الخوف إلى قلوب الناس و أيديهم من مدّيد المعونة للمسلمين الفقراء فقلت البركة ، فذلك تكذيب بالدين الذي يدعّ اليتيم ، و لا يحظ على طعام المسكين و يمنعون الماعون .نعم إخوتي إنها كلّها أسباب لما ابتلينا به من الغلاء للأسعار و قلة البركة في الأرزاق و نسأل الله ألا يؤاخذنا بذنوبنا و يرزقنا شكر النعم..
    عباد الله، كما أنه مما يُعاب علينا في ظل تقلّبات أحوالنا الاقتصادية تفشّي الإسراف في حياتنا على كافة المستويات، حيث تحول الإسراف من سلوك فرديّ لدى بعض الأغنياء في المدن الكبرى إلى ظاهرةٍ عامة تجتاحُ الأمةَ كلّها، فالغنيُّ يُسرف، و غير الغني يقترض من أجل أن يُسرف ويلبي متطلبات أسرته من الكماليات وما لا يحتاجون إليه، وهذا كلّه من إفرازات العولمة التي أقنَعت الناس بذلك عبر الدعاية والإعلان في وسائل الإعلام المختلفة.
    أيها المسلمون، إن الناس إلا من رحم الله وقليل ما هم اعتادوا على مستوى من العيش فيه من السرف ما فيه؛ في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم ومراكبهم، وكثير من متطلباتهم لا تصل إلى مستوى الحاجات فضلاً عن الضرورات، وأكثرها من التحسينات والكماليات وما هو دونها مما يصل إلى حدّ الإسراف المذموم، وأضحى الواحد منهم يشكو من قلّة دخله ولو كان كثيرا، ومن كثرة مصروفاته ولو كان أكثرها ليس محتاجًا إليه.
    كم حدَّث التاريخُ ـ عبادَ الله ـ عن بيوت عامرة أسّسها آباء مقتدرون صارت إلى أبناء غلبَ عليهم الإسراف، فأفسدوا وأتلفوا ما ورّث آباؤهم، ثم التحق أولئك بطبقات المعدمين الذين لا يجدون ما ينفقون، كم خَربَِت بسبب الإسراف بيوتٌ تحكمت فيها نساء وأشباه نساء في حليّ وحلل، يتكلّفون ما لا يطيقون، وينافسون على ما لا يقدرون، وتناسى أولئك أن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا.

    وكم أهلكنا من قريةٍ بطرت معيشتها فتلك مسا كنُهم لم تُسكن من بعدهم إلا قليلاً و كنا نحن الوارثين
    عباد الله، إن الإسرافَ منهيّ عنه ومَعيبٌ في كلّ شيء كما يقول عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى، وشاهد ذلك عموم قوله سبحانه وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[الأنعام: 141]، وقال صلى الله عليه وسلم كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة رواه النسائي وابن ماجة. إن هذا التشديد في النهي عن السّرف ما كان إلا لأجل الحفاظ على الأموال والموارد التي يُسأل عنها العبدُ يوم القيامة، فهو يسأل عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ و الإسراف علامةُ شرٍ للهلاك }و إذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميرا
    أيها المسلمون، إن مما يُوصىَ به في ظل تفشّي غلاءِ الأسعار أن يلزم المرءُ القناعة وهي الاكتفاء باليسير من الأغراض المحتاج إليها. إن الناس إذا قلّت القناعة فيهم زاد التسخّطُ بينهم وافتقدوا الرضا بما رزَقهم الله، وحينئذ لا يُرضيهم طعامٌ يُشبعهم، ولا لباسٌ يواريهم، ولا مراكبُ تحملهم.
    لقد كان نبيُّكم صلى الله عليه وسلم يسأَل ربه أن يمُنّ عليه بالقناعة فيقولُ عليه الصلاة والسلام: ((اللهم قنًّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه)) أخرجه الحاكم، بل كان عليه الصلاة و السلام يوصي أصحابه بالقناعة وعيش الكفاف، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبدَ الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس{ أخرجه ابن ماجة.
    عبادَ الله، من عمرَ قلبه بالقناعةِ نَعُمَ بالراحةِ، وعاش الحياةَ الطيبة، وأبشر بالعزِّ والغنى، فسَّرَ علي وابن عباس والحسن رضي الله عنهم قوله سبحانه: }فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً{ [النحل: 97] فقالوا: الحياة الطيبة هي القناعة
    خذ القنـاعة من دنياك وارض بِها لو لَم يكن لك منها إلا راحة البدن
    وانظر لمن ملك الدنيـا بأجْمعهـا هل راح منها بغير القطن والكفن؟!
    وفي هذا المعنى قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "من قَنِعَ طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه".
    عبد الله، ليس في الدنيا أحد لا يجدُ من هو أفضلُ منه ومن هو أقل منه، فإن كنت فقيرًا ففي الناس من هو أفقر منك، وإن كنت مريضًا ففيهم من هو أشد منك مرضًا، فلماذا ترفعُ رأسك لتنظر من هو فوقك ولا تخفضه لتبصَر من هو دونك؟!
    إن الطريقَ للقناعة والرضا بما قسم الله هو في قوله صلى الله عليه وسلم إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه  وفي رواية لمسلم انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم {فما أحوجنا إلى ثقافة الاستهلاك التي تعلمنا ما نحتاجُ فنشتريه و ما لا نحتاج فنتركه ..
    عباد الله، إن بينَ القناعة والسياسة الرّشيدة للاستهلاك علاقةً وثيقةً، تتمثلُ في عدم الاغترار بما تبثّه الشركات الإعلامية ودور التجارة ومراكزها من صور لما يحتاجه وما لا يحتاجه المستهلك. لقد أثبتت الدراسات أثَر الإعلام والإعلان على أنماط الاستهلاك وتزايد الشراء العشوائي لدى كثير من الأفراد والهوس التسوّقي لدى النساء خاصة، حيث يصوّر الإعلام مقتنيات السوق على أنها لذّة الحياة التي تُتيحُ للإنسان التمتّعَ بالحياةِ بأرقى وسائلِ العيش والترفيه، ولقد ذكرت الإحصاءات أن ثلث ما يتمّ وضعه في عربة المشتريات هو من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها ويكون مصيرها غالبًا إلى سلة النفايات..انظروا كسلعةٍ مهمة كالأرز مثلاً التي تضايق الناس من ارتفاع سعرها ..هل تعلمون أن أكثر من ثلث الأرز المستخدم في الأطعمة و المناسبات يُرمى في النفايات أو كطعامٍ للحيوانات و هذا أقل نسبة ..
    أيها المسلمون، إلى متى سيبقى بعض الناس عاجزًا عن تحديد الكمّيات المشتراة من الأغذية حسب حاجة الأفراد والأسرة الضرورية والفعلية؟! وإلى متى سنبقى عاجزين عن إدراك أن الزيادة عن الحاجة في المشتريات قد تتلف أثناء التخزين وتذهب فائدتها الفعلية؟! أبصر أبو الدرداء رضي الله عنه حبًا منثورًا في غرفته فقال: (إن من فقه الرجل رفقه في معيشته)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقل شيء مع الإصلاح، ولا يبقى شيء مع الفساد).. انظروا مثلاً إخوتي إلى كثرة المطاعم ليس في بلادنا بل في غيرها هل كثرتها هذه طبيعية ؟ و ما الذي دعا إلى وجودها إنه إقبال كثير من الناس ترفاً عليها و الكسل للنساء عن خدمة بيوتهم و الأشد من ذلك أننا بولينا بأبناء لا يعرفون الأكل في بيوتهم بل دائماً أكلهم من هذه المطاعم التي تركوا لأجلها أفضل النعم في بيوتهم و يشترون بأغلى الأثمان ما قلت فائدته و يجلب المرض و السمنة يقول أحمد بن محمد البراثي: قال لي محمد بن بشر بن الحارث لما بلغه ما أنفق من تركة أبينا: قد غمني ما أنفق عليكم من هذا المال، ألا فعليكم بالرفق والاقتصاد في النفقة، فلأن تبيتوا جياعًا ولكم مال أعجب إليّ من أن تبيتوا شباعًا وليس لكم مال، ثم قال له: اقرأ على والدتك السلام وقل لها: عليك بالرفق والاقتصاد في المعيشة.
    عباد الله، إن دورَ التجارِ في هذه الأزمةِ التي تحيطُ بالمجتمعِ لا يخفى، فإما أن يكونوا معولَ هدمٍ يزيدُ من معاناة الفقراء والمحتاجين، وإما أن يكونوا أداة بناء يسهمون في تخفيف الضراء عن المتضررين.
    يا معشر التجار، بهذا النداء رفع المصطفى صلى الله عليه وسلم صوته، فاشرأبت إليه أعناقهم استجابة لنداء النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم صلى الله عليه وسلم إن التجار يُبعثون يومَ القيامة فُجارًا، إلا من اتقى وبرَّ وصدق
    إن أصدقَ الكسبِ ـ عبادَ الله ـ كسبُ التجار الذين إذا حدّثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وَعَدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يندموا، وإذا باعوا لم يخدعوا، وإذا كان عليهم لم يماطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا.
    أيها المسلمون، هل يعلم التاجر الذي رفع أسعار بضاعته نهبًا وجشعًا بأنه يكاد يقتل أكثر من أسرة بالدَّين والهم والنكد؟! وهل يستشعر التاجر أن ضررَ إبقائه الأسعار بدون زيادة انخفاضُ أرباحه السنوية، أما زيادته في الأسعار فعاقبته المزيد من الديون والحرمان التي تكتوي بها العديد من الأسر ولا ناصر لهم ولا مغيث سوى الله وكفى به حسيبا؟!
    معاشر التجار، أذكركم بحديث نبيكم صلى الله عليه وسلممن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع  رواه مسلم.
    نقول ذلك و قد حدثنا بعض الثقات ممن يتعامل مع كبرى الشركات الغذائية أن بعضاً يتلاعب بالأسعار بالرغم من وجود البضائع مخزنة عنده منذ مدة طويلة لا سيما مع ضعف الرقابة التجارية و هنا نتحدث عن أهمية وجود نظام حكومي رقابي على التجار و الرقابة على الأسعار ووضع العقوبات الصارمة و أن لا يكون دور هذه الجهات الرقابية التي تعلن أنها لمصلحة المستهلك الفرجة على ما يفعله التجار من جشعٍ و طمعٍ و رفعٍ للأسعار أو لعبٍ و عبثٍ بعقول المستهلكين عبر إعلاناتهم قليلة المصداقية و الإغراءات التي تقدم لهم أو العروض بلا تنظيم و لا نصبح عبر و سائل الإعلام و هذه الجهات مختفية و ليس لها دورٌ في هذه الوسائل أو عند ارتفاع الأسعار..
    إن إرخاص الأسعار على المسلمين ووضع الإجحاف بهم وترك استغلالهم لا يفعله إلا ذوو القلوب الرحيمة التي امتلأت عدلاً وصدقًا وتقوى وإحسانًا، وأولئك هم الموعودون بالبركة في أرزاقهم والسعة في أموالهم والصحة في أبدانهم.
    عباد الله، إن الواجب على من تولى أمر المسلمين أن يتدارك أمرهم في ظل هذه المعاناة التي حلت بهم، وذلك بالبحث عن الأسباب الحقيقية للأزمة ووضع الحلول المناسبة لها، وإذا رأى الإمام تضرّر أكثر الناس بالغلاء وأرهق الفقراء وأثقل كاهل المحتاجين والضعفاء فإن الصحيح من أقوال العلماء جواز التسعير، وهو تحديد ثمن للسلع لا يزداد عليه ولا ينقص حتى في حال غلاء الأسعار وارتفاعها، وإذا أخذ ولي الأمر بالتسعير لمصلحة المسلمين وأمر أهل الأسواق أن لا يبيعوا إلا بسعر محدّد بلا زيادة ولا نقصان لم تجز مخالفته، ومن خالف استحق التعزيز، وذلك عقوبة له على مخالفة الأمر و ذلك من شكر هذه النعم التي إذا شكرت قرّت و إذا كفرت فرّت ..نسأل الله أن يديم علينا نعمة التي لا تعد و لا تحصى و أن يرزقنا شكرها و يكفينا شرَّ الإسراف فيها ..و أن يكفينا شر الغلاء .. و يبارك لنا فيما أعطانا..
    } ولو أن أهل القرى آمنوا و اتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء و الأرض و لكن كذبوا فأخذهم بما كانوا يكسبون


    الشيخ عبد المحسن بن عبد الرحمن القاضي


    المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     

    أهم المواضيع

     
  • حفظ القرآن
  • تعلم القرآن
  • العمل بالقرآن
  • كيفية تلاوة القرآن
  • فضائل تلاوة القرآن
  • مرحباً برمضان
  • فتح المدارس
  • فريضة الزكاة
  • من فضائل رمضان
  • ليلة النصف من شعبان
  • حال السلف الصالح في شعبان
  • فضل شهر شعبان
  • كسوف الشمس
  • العجلة
  • الصيف فرصة للزاد
  • حرمة المسلم وأنتهاك الأعراض
  • وقتل داود جالوت
  • حرارة الصيف
  • الإيدز وكيفية الوقاية منه
  • أرواح تُزهق ( حوادث السيارات )
  • عصر التلاعب بالألفاظ
  • ضياع الاوقات
  • الاسلام دين ودنيــا
  • الرجل النخلة!
  • آفات اللسان
  • تحرير النفس البشرية فى الإسلام
  • الغضب وعواقبه
  • ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا )
  • أسباب الخلاف وآثاره وطرق العلاج
  • رخص السفر


  •  

    القائمة البريدية

     

     

    تسجيل الدخول

     


    المستخدم
    كلمة المرور

    تسجيل عضو جديد
    إرسال البيانات؟
    تفعيل الاشتراك

    Powered by: Arab Portal v2.1 , Copyright© 2007