بواسطة: خادم الموقع بتاريخ : الإثنين 23-06-2008 11:13 صباحا
-
طفلة صغيرة مضت مع والدها الحنون إلى بوابة المدرسة وودعته بابتسامتها البريئة على أمل لقائه في آخر اليوم الدراسي ، لكنها في ذلك اليوم وقفت على باب المدرسة طويلا ، حيث غاب عنها أبوها و غاب معه حنانه و عطفه .
و ذاك شيخ كهل من رواد المسجد ، خرج من بيته مسبحا ، و لربه طائعا ، فصلى صلاته ، وعاد أدراجه لكن كان الأجل له بالمرصاد ، فغاب عن الدنيا .
و تلك فتاة شابة مع زوج تُحبه ، عنّ له سفر مفاجئ عن طريق البر ، فجهزت متاعه ،
و نظّمت أدواته ، وودعته مع أبنائها ، و كان الوداعَ الأخير .
أيها الكرام هذه قصص أصبحت مألوفة لنا مع كثرة حوادث السيارات ، فهذا انقلاب يودي بالعشرات ، وذاك تصادم تمزق فيه الأشلاء ، وذاك دهس تُسال فيه الدماء ، يا لله
ما أشنع مناظر الحوادث ، ما أقساها ، ما أعنفها ، إنه حديد لا يرحم أحداً ، يا لله ما أقسى المنظر يوم يتعامل هذا الحديد الشديد مع الجسد الطري ، كيف يُمزقه ، يُشققه ، رحماك يا رب .
أيها الكرام ، انظروا إلى تلك الصور في معارض المرور من خلال الحملات المتتالية للتوعية المرورية .
أيها الكرام ، إن الأمر جد لا هزل ، الأرواح التي تُزهق بسبب هذه السيارات مهولة العدد ، منذرة بخطر حقيقي لا بد من الوقوف عنده .
يا كرام ،كيف يتخيل مسلم أن يموت في عام واحد ما يُقارب خمسة آلاف إنسان في بلادنا ، كلها بسبب حوادث السيارات ، يا كرام ، إننا أمام حرب شرسة مع هذه السيارات ، و تعد بلادنا من أكثر دول العالم في حصد الأرواح بسبب حوادث السيارات ، يكفي أن نعلم أنه في إحدى السنوات كانت نسبة الوفيات بسبب الحوادث في بلادنا أكثر من مثيلتها في أمريكا بخمس مرات ، و اكثر من بريطانيا بعشر مرات ،
و أعداد السكان لديهم بمئات الملايين و عندنا بعشرات الملايين .
يا كرام ، إن الأرواح ليست هينة لهذه الدرجة أن تُزهق بسبب نزق أو طيش ، أو تجاوز للأنظمة .
إن الأمر خطير ، و إن الفاقد من الأرواح و الأموال كبير ، ففي خلال عشر سنوات كان الفقد من الأرواح يُقدر بمائة ألف إنسان ، و أكثر المفقودين في سن يتراوح ما بين الخامسة عشرة و الأربعين ، و هذا يعني أن جُلَّهم يُعيل أسرة ، و هذا يعني كثرة الأيتام
و الأرامل فرحماك يا رب .
لقد سجلت الإحصائيات أن مدينة مثل الرياض يحصل فيها حادث كل عشر دقائق ،
و اتضح أيضا أن كل ثلاثين حادث تحصل فيها حالة وفاة ، بل و كل ساعتين تقريبا يموت إنسان ، فهل من معتبر !.
أيها الكرام ،هذا في الوفيات ، أما الإصابات بالشلل و الإعاقات فأمر عظيم و مخيف ، يكفي أن نعلم أنه في خلال السنوات العشر الماضية كان يزيد على خمسمائة ألف مصاب .
عباد الله ، لقد أمرنا الله بحفظ النفس لا بإتلافها ، فقال سبحانه : (( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )) [ النساء : 29] و قال صلى الله عليه و سلم ((لزوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم مسلم )) [صحيح ابن ماجة 2121 ]
فاتقوا الله أيها الكرام ، و اعلموا أن أعظم نسبة في هذه الحوادث هي بسبب المخالفات
و تجاوزات النظام ، و أغلبها من الشباب المتهور ، الذي غالبا لا يحسب حسابا ، و لا يُفكر في عاقبة ، لقد ثبت في الإحصائيات أن سبعين في المائة من أسباب تلك الحوادث المروعة عائد إلى تجاوز السرعة القانونية .
هذا في الأرواح أما الأموال فإن الفاقد كبير ، فبسبب تلك الحوادث يتحمل الناس ديات و معالجات و تكاليف يذهل منها الإنسان ، فهل تتخيل أيها الكريم أن الخسائر المادية لتلك الحوادث ربما يتجاوز عشرين مليار ريال سعودي ،أي ما يُعادل ستين مليون يوميا ، أي ما يُعادل مليونين و نصف في الساعة ، أي ما يُعادل ثمانية و أربعين ألف ريال في الدقيقة ، كل هذه مع دماء تسيل ، و أرواح تُزهق ، و أطراف تُكسر ، رحماك يا رب .
عباد الله ، نحن نقر جميعا بأن قدر الله لا مفر منه ، و لكن هل فعلنا أسباب الحماية و الوقاية ، هل تأملنا في حالنا ، هل راجعنا أنفسنا ؟
هذه الأموال الطائلة لو صُرفت كل عام على المحتاجين و الفقراء لربما كفتهم ، و لو وجهت في طرق الخير لزادت في حصيلة البناء و النماء .
يا أيها الكرام ،هذه نعم تفضل بها ربنا علينا ، فأين شكرها ؟، ألا ترون كيف يعبث شبابنا بسياراتهم في صورة جنونية ، إما في الشوراع ، و إما في الساحات العامة ، و إما في المتنـزهات ، أهكذا شكر النعم ؟ أهذا من العقل ؟ ثم النهاية دهس أو انقلاب أو تصادم .
أيها الكرام ، لقد أصبحت السيارات من أكثر أسباب هلاك الناس ، حتى إنها أحيانا تفوق قتلى الحروب ، فهل انتبهنا لذلك ، فهذه الانتفاضة المباركة في الأقصى و هي جهاد ضد العدو المحتل فقدت خلال ثلاث سنوات ماضية ما يُقارب ثلاثة آلاف شهيد – نحسبهم كذلك و الله حسيبهم – و عندنا هنا كان المفقود بسبب السيارات في عام واحد فقط أكثر من خمسة آلاف ، أليس هذا الأمر داعيا لنا أن نتوقف ؟ أن نفكر ؟ خصوصا إذا علمنا أن أكثر من سبعين في المائة من أسباب تلك الحوادث القاتلة عائد إلى أخطاء بشرية .
نسأل الله أن يبصر قلوبنا ، و أن ينير عقولنا ، و أن يهدينا سبل السلام ، و أن يحقن
دمائنا ، و أن يشفي مرضانا ، و أن ييسر لنا الخير إنه ولي ذلك و القادر عليه .
عباد الله أقول ما سمعتم ، و أستغفر الله لي و لكم و لجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية :
أما بعد ،
فربما أزعجتك أخي الكريم هذه الأرقام المرعبة ، و أقلقتك هذه الحقائق المذهلة ، و مع هذا فلا بد من التواصي بيننا و التذكير و التفكر ، عل الله أن يحفظنا من هذه الكوارث
و المصائب .
أخي السائق إليك بعض الإرشادات الشرعية التي فيها - بإذن الله - حفظ لنفسك و مالك :
أولا : التزم تقوى الله بفعل ما أمر و اجتناب ما نهى ، لأن التقوى سبب للتيسير و الخروج من الشدة قال تعالى : (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا )) [4 : الطلاق ] ، و قال تعالى : (( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا )) [ 2 : الطلاق ] .
ثانيا : توكل على الله عندما تركب سيارتك أو تخرج من بيتك ، فإن من توكل على الله كفاه ، و اعلم أن من حسن التوكل الأخذ بالأسباب ، قال صلى الله عليه و سلم (( إذا حرج الرجل من بيته فقال بسم الله توكلت على الله لا حول و لا قوة إلا بالله ، يُقال له حينئذ : هُديت و كفيت ووقيت فتتنحى عنه الشياطين ، فيقول له شيطان آخر : كيف برجل هدي و كفي ووقي )) [ صحيح أبي داود 4942 ] .
ثالثا : المحافظة على دعاء ركوب السيارة ، و كذلك دعاء السفر ، ففي ذلك خير عظيم يغفل عنه أكثر السائقين ، فتبدأ بالتسمية ، ثم تقول ما ثبت من الأدعية ، التي منها :
(( اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، و كآبة المنظر ، و سوء المنقلب في المال
و الأهل )) [ رواه مسلم 1342 ] ، تامل هذه الجمل في هذا الدعاء العظيم ، و تسائل كم مرة حافظت عليه في سفرك ؟.
رابعا : الابتعاد عن المحرمات حال القيادة ، كالأغاني و المخدرات و غيرها ، لأن الإنسان على هذه الطرق في خطر ، و هذه المعاصي تُبعد عنه حفظ الله ، بل إنها تقرب منه عقاب الله ، ألا تخاف أيها الكريم من قوله تعالى : (( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِه )) [ 40 : العنكبوت]، فليكن رفيقك في السفر هو القرآن و جميل القول و الذكر الحسن .
خامسا : المحافظة على صلاة الفجر في جماعة ، قال صلى الله عليه و سلم : (( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله )) [رواه مسلم 657 ].
سادسا : الحرص على صلاة الضحى ، لأن الله يحفظ من أداها ، كما قال عز وجل في الحديث القدسي : (( يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره ))
[ رواه أحمد و صححه الألباني في إرواء الغليل 465] .
سابعا " استشعار حرمة دم المسلم و ماله و الخوف من الوقوع في أذيته .
ثامنا : تذكّر نعمة الله على الإنسان بهذه المركبات ، و النعمة تُشكر لا تُكفر.
تاسعا : الحرص على تفقد السيارة قبل ركوبها أو السفر بها ، و هذا من فعل الأسباب المطلوبة شرعا .
عاشرا : الالتزام بتعليمات المرور و أنظمته لأن هذا من طاعة ولي الأمر التي فيها مصلحة للمسلمين ، فلا يصح لأحد أن يستهين بها .
معاشر المؤمنين ، هذه الوصايا لو أخذنا بها لحفظنا الله ومن كثير من هذه الكوارث ، فهل نفكر في هذا جديا ، هل نُعيد النظر في طريقة تعاملنا مع هذه المركبات .
معاشر المؤمنين الحافظ هو الله (( فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))[ 64 : يوسف] لذا لا بد لنا من الانصياع الكامل لأوامره و نواهيه ، و التوكل عليه فإذا نزل البلاء حفظ الله أولياءه .
فاتقوا الله أيها الكرام في هذه النعمة ، و اشكروا المولى عليها فإنها إذا كُفرت رحلت .
اللهم احفظنا من بين أيدينا و من خلفنا ، اللهم احفظنا بحفظك ، و اكلأنا برعايتك يا ذا الجلال و الإكرام .
عباد الله صلوا وسلموا على الرحمة المهداة ، و النعمة المسداة ، محمد بن عبدا لله ، كما أمركم بذلك الله فقال : (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )) [ الأحزاب : 56]