وظائف العشر الأواخر من رمضان -د.عبدالله بن علي الجعيثن

وظائف العشر الأواخر من رمضان -د.عبدالله بن علي الجعيثن

مشاركةبواسطة المشرف العام » الأربعاء أغسطس 26, 2009 11:14 pm

ها هو شهر رمضان قد اصفرّت شمسه ، وآذنت بالغروب فلم يبق إلا ثلثه الأخير ، فماذا عساك قدمت فيما مضى منه ، وهل أحسنت فيه أو أسأت ، فيا أيها المحسن المجاهد فيه هل تحس الآن بتعب ما بذلته من الطاعة . ويا أيها المفرّط الكسول المنغمس في الشهوات هل تجد راحة الكسل والإضاعة وهل بقي لك طعم الشهوة إلى هذه الساعة .

تفنى اللذاذات ممن نال صفوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار

فلنستدرك ما مضى بما بقى ، وما تبقى من ليال أفضل مما مضى ، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا دخل العشر شد مئزره ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله )) متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها . وفي رواية مسلم : كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ) وهذا يدل على أهمية وفضل هذه العشر من وجوه : أحدها : إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخلت العشر شد المئزر ، وهذا قيل إنه كناية عن الجد والتشمير في العبادة ، وقيل : كناية عن ترك النساء والاشتغال بهن . وثانيها : أنه صلى الله عليه وسلم يحي فيها الليل بالذكر والصلاة وقراءة القرآن وسائر القربات . وثالثها : أنه يوقظ أهله فيها للصلاة والذكر حرصاً على اغتنام هذه الأوقات الفاضلة . ورابعها : أنه كان يجتهد فيها بالعبادة والطاعة أكثر مما يجتهد فيما سواها من ليالي الشهر .
وعليه فاغتنم بقية شهرك فيما يقرِّبك إلى ربك ، وبالتزوُّد لآخرتك من خلال قيامك بما يلي :
1- الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والقراءة وسائر القربات والطاعات ، وإيقاظ الأهل ليقوموا بذلك كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل . قال الثوري : أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك . وليحرص على أن يصلي القيام مع الإمام حتى ينصرف ليحصل له قيام ليلة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إنه من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة )) رواه أهل السنن وقال الترمذي : حسن صحيح .
2- اجتهد في تحري ليلة القدر في هذه العشر فقد قال الله تعالى :{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ }[القدر:3]. ومقدارها بالسنين ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر . قال النخعي : العمل فيها خير من العمل في ألف شهر . وقال صلى الله عليه وسلم (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه . وقوله صلى الله عليه وسلم [إيماناً]أي إيماناً بالله وتصديقاً بما رتب على قيامها من الثواب. و[احتساباً] للأجر والثواب وهذه الليلة في العشر الأواخر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ) متفق عليه . وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ) رواه البخاري . وهي في السبع الأواخر أقرب , لقوله صلى الله عليه وسلم : ( التمسوها في العشر الأواخر , فإن ضعف أحدكم أوعجز فلا يغلبن على السبع البواقي ) رواه مسلم . وأقرب السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال : ( والله إني لأعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها هي ليلة سبع وعشرين ) رواه مسلم .
وهذه الليلة لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام بل تنتقل في الليالي تبعاً لمشيئة الله وحكمته .
قال ابن حجر عقب حكايته الأقوال في ليلة القدر : وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأواخر وأنها تنتقل ...ا.هـ. قال العلماء : الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها , بخلاف ما لو عينت لها ليلة لاقتصر عليها ...ا.هـ وعليه فاجتهد في قيام هذه العشر جميعاً وكثرة الأعمال الصالحة فيها وستظفر بها يقيناً بإذن الله عز وجل .
والأجر المرتب على قيامها حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم , لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر .
3- احرص على الاعتكاف في هذه العشر . والاعتكاف : لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله تعالى . وهو من الأمور المشروعة . وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وفعله أزواجه من بعده , ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله - عز وجل – ثم اعتكف أزواجه من بعده ) ولما ترك الاعتكاف مرة في رمضان اعتكف في العشر الأول من شوال , كما في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين .
قال الإمام أحمد – رحمه الله - : لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أن الاعتكاف مسنون والأفضل اعتكاف العشر جميعاً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل لكن لو اعتكف يوماً أو أقل أو أكثر جاز . قال في الإنصاف : أقله إذا كان تطوعاً أو نذراً مطلقاً ما يسمى به معتكفاً لابثاً. وقال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله : وليس لوقته حد محدود في أصح أقوال أهل العلم .
وينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والاستغفار والقراءة والصلاة والعبادة , وأن يحاسب نفسه , وينظر فيما قدم لآخرته , وأن يجتنب ما لا يعنيه من حديث الدنيا , ويقلل من الخلطة بالخلق . قال ابن رجب : ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس , حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن , بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتحلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه , وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية ...ا.هـ .

ختام الشهر

ها هو شهر رمضان قد قوِّصت خيامه ، وغابت نجومه . وها أنت في ليلة العيد ، فالمقبول منا هو السعيد . وإن الله قد شرع في ختام الشهر عبادات تقوي الإيمان وتزيد الحسنات . ومنها :
1- التكبير ، من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد قال تعالى :{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[البقرة:185] .
ومن الصفات الواردة فيه : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد .
2- زكاة الفطر ، وهي صاع من طعام ويبلغ قدره بالوزن : كيلوين وأربعين غرماً من البر الجيد . فإذا أراد أن يعرف الصاع النبوي فليزن كيلوين وأربعين غراماً من البر ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم يكيل به . والأفضل أن يخرجها صباح العيد قبل الصلاة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة )) متفق عليه . ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين .
3- صلاة العيد . وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم أمته رجالاً ونساء مما يدل على تأكدها . واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنها واجبة على جميع المسلمين وأنها فرض عين . وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد واختاره ابن القيم أيضاً .
ومما يدل على أهمية صلاة العيد ما جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى : العوائق والحيض وذوات الخدور , فأما الحيض فيعتزلن المصلى , ويشهدن الخير ودعوة المسلمين , قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( لتلبسها أختها من جلبابها ) متفق عليه .
والسنة : أن يأكل قبل الخروج إليها تمرات وتراً ثلاثاً أو خمساً أو أكثر , يقطعهن على وتر , لحديث أنس رضي الله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً ) رواه البخاري .
ويسن للرجل أن يتجمل ويلبس أحسن الثياب . كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ عمر جبة من استبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله , ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما هذه لباس من لا خلاق له ) وإنما قال ذلك لكونها حريراً. وهذا الحديث رواه البخاري . وبوب عليه : باب في العيدين والتجمل فيهما . وقال ابن حجر : وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين .
وأما المرأة فإنها تخرج إلى العيد متبذّلة , غير متجملة ولا متطيبة , ولا متبرجة , لأنها مأمورة بالستر , والبعد عن الطيب والزينة عند خروجها .
ويسن أن يخرج إلى مصلى العيد ماشياً لا راكباً إلا من عذر كعجز وبعد مسافة لقول علي رضي الله عنه : ( من السنة أن يخرج إلى العيد ماشياً ) رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن . والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم , يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً , وأن لا يركب إلا من عذر ... ا.هـ .
وينبغي مخالفة الطريق بأن يرجع من طريق غير الذي ذهب منه . فعن جابر رضي الله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق ) رواه البخاري . وفي رواية الإسماعيلي كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه . قال ابن رجب وقد استحب كثير من أهل العلم لللإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره . وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد.
ويستحب التهنئة والدعاء يوم العيد . فعن محمد بن زياد قال : كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنك . قال أحمد : إسناده جيد . وقال ابن رجب : وقد روي عن جماعة من الصحابة التابعين أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد ويدعو بعضهم لبعض بالقبول .

وماذا بعد رمضان ؟!

لقد تقضى شهر رمضان بأيامه ولياليه ودقائقه وثوانيه , ولئن كان ذلك الشهر موسماً عظيماً من مواسم الخير والطاعة فإن الزمان كله فرصة للخير والتزود للدار الآخرة , وليست العبادة خاصة بشهر رمضان بل الحياة كلها عبادة قال الله تعالى : ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) [الحجر :99]. فعليك أيها المسلم أن تواصل أعمال الخير من الصلوات والصيام والصدقة والذكر وقراءة القرآن وسائر القربات . فإن من علامة قبول العمل اتباع الحسنة بالحسنة .
فبادر بالعمل قبل حلول الأجل , واغتنم حياتك وشبابك وفراغك وصحتك وغناك قبل حصول أضدادها . فقد قال صلى الله عليه وسلم : (اغتنم خمساً قبل خمس شبابك قبل هرمك , وصحتك قبل سقمك , وغناك قبل فقرك , وفراغك قبل شغلك , وحياتك قبل موتك ). رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وحسن إسناده العرابي .
أيها الصائم القائم , لئن كان رمضان موسماً للصيام والقيام فإن العام كله موسم للأعمال الصالحة , وإليك طائفة من الأعمال المشروعة في مجال الصلاة والصيام فاحرص على فعلها وتحقيقها :
1- صيام ستة أيام من شوال : ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من صام رمضان ثم اتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر )
2- صيام ثلاثة أيام من كل شهر : قال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان , فهذا صيام الدهر كله ) رواه مسلم وقال أبو هريرة رضي الله عنه : (أوصاني خليلي بثلاث ... وذكر : ثلاثة أيام من كل شهر ) متفق عليه . والأفضل أن تكون في أيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يا أبا ذر , إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) رواه الترميذي وحسنه وصححه ابن خزيمة وابن حبان .
3- صيام الاثنين والخميس : فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس ) رواه الترمذي وحسنه . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم ) رواه الترمذي وحسنه .
4- صيام يوم عرفة , ويوم عاشوراء : ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صيام يوم عرفة , فقال : ( يكفر السنة الماضية والباقية ) وسئل صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء , فقال صلى الله عليه وسلم : ( يكفر السنة الماضية ) .
5- صيام شهر محرم : ففي مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) .
6- صيام شهر شعبان : ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل شهراً قط إلا شهر رمضان , وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان , وفي لفظ : كان يصومه كله إلا قليلاً )
7- صيام يوم وإفطار يوم : قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصيام عند الله صوم داود – عليه السلام – كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ) متفق عليه .
8- قيام الليل في كل ليلة من ليالي العام : ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ينزل ربنا – تبارك وتعالى – كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر , فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ ) . وصلاة الليل تشمل التطوع كله والوتر . وأقل الوتر ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة .
9- السنن الرواتب التابعة للفرائض : وهي ثنتا عشرة ركعة أربع قبل الظهر , وركعتان بعدها , وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء , وركعتان قبل صلاة الفجر . فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد مسلم يصلي لله – تعالى – كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير الفريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة ) رواه مسلم .
10- سنة الضحى : فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( أوصاني خليلي بثلاث ... وذكر منها : وصلاة الضحى ) متفق عليه . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله )) رواه مسلم .

تقبل الله من الجميع صالح الأعمال ، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين .

المشرف العام
Site Admin
 
مشاركات: 165
اشترك في: السبت أغسطس 01, 2009 10:24 pm

العودة إلى شهر رمضان المبارك

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 3 زائر/زوار